ابن أبي الحديد
52
شرح نهج البلاغة
وفشل : جبن . فإن قلت : أما فشل المسؤول فمعلوم ، فما الوجه في إطراق السائل ؟ قلت : لشدة الامر وصعوبته ، حتى إن السائل ليبهت ويدهش فيطرق ، ولا يستطيع السؤال . قوله عليه السلام : " إذا قلصت حربكم " يروى بالتشديد وبالتخفيف ، ويروى : " عن حربكم " ، فمن رواه مشددا أراد انضمت واجتمعت ، وذلك لأنه يكون أشد لها وأصعب من أن تتفرق في مواطن متباعدة ، ألا ترى أن الجيوش إذا اجتمعت كلها واصطدم الفيلقان ، كان الامر أصعب وأفظع من أن تكون كل كتيبة من تلك الجيوش تحارب كتيبة أخرى في بلاد متفرقة متباعدة ! وذلك لان اصطدام الفيلقين بأجمعهما هو الاستئصال الذي لا شوى ( 1 ) له ولا بقيا بعده . ومن رواها بالتخفيف أراد كثرت وتزايدت ، من قولهم : قلصت البئر ، أي ارتفع ماؤها إلى رأسها أو ، دونه ، وهو ماء قالص وقليص ، ومن روى : " إذا قلصت عن حربكم " أراد إذا قلصت كرائه الأمور وحوازب الخطوب عن حربكم ، أي انكشفت عنها ، والمضارع من قلص يقلص بالكسر . قوله : " وشمرت عن ساق " ، استعارة وكناية ، يقال للجاد في أمره : قد شمر عن ساق ، وذلك لان سبوغ الذيل معثرة ، ويمكن أن يجرى اللفظ على حقيقته ، وذلك أن قوله تعالى : ( يوم يكشف عن ساق ) ( 2 ) فسروه فقالوا : الساق : الشدة ، فيكون قد أراد بقوله : " وشمرت عن ساق " ، أي كشفت عن شدة ومشقة . ثم قال : " تستطيلون أيام البلاء " ، وذلك لان أيام البؤس طويلة ، قال الشاعر :
--> ( 1 ) لا شوى له ، أي لا إبقاء له ، أو لا خطأ لها ، قال الكميت : أجيبوا رقى الآسي الطاسي واحذروا * مطفئة الرصف التي لا شوى لها ( 2 ) سورة القلم 42 .